محمد بن جرير الطبري

28

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

ومرساها " قال : حين يركبون ويجرون ويرسون . حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : بسم الله حين يركبون ويجرون ويرسون . حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا ابن نمير ، عن ورقاء ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : " بسم الله مجراها ومرساها " قال : بسم الله حين يجرون وحين يرسون حدثنا أبو كريب ، قال : ثنا جابر بن نوح ، قال : ثنا أبو روق ، عن الضحاك ، في قوله : " اركبوا فيها بسم الله مجراها ومرساها " قال : إذا أراد أن ترسي قال : بسم الله فأرست ، وإذا أراد أن تجري قال بسم الله فجرت وقوله : إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ يقول : إن ربي لساتر ذنوب من تاب وأناب إليه رحيم بهم أن يعذبهم بعد التوبة . القول في تأويل قوله تعالى : وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ . . . ارْكَبْ مَعَنا وَلا يعني تعالى ذكره بقوله : وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ والفلك تجري بنوح ومن معه فيها فِي مَوْجٍ كَالْجِبالِ وَنادى نُوحٌ ابْنَهُ يام وَكانَ فِي مَعْزِلٍ عنه لم يركب معه الفلك : يا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنا الفلك وَلا تَكُنْ مَعَ الْكافِرِينَ القول في تأويل قوله تعالى : قالَ سَآوِي إِلى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْماءِ يقول تعالى ذكره : قال ابن نوح لما دعاه نوح إلى أن يركب معه السفينة خوفا عليه من الغرق : سَآوِي إِلى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْماءِ يقول : سأصير إلى جبل أتحصن به من الماء . فيمنعني منه أن يغرقني . ويعني بقوله : يَعْصِمُنِي يمنعني ، مثل عصام القربة الذي يشد به رأسها فيمنع الماء أن يسيل منها . وقوله : لا عاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ يقول : لا مانع اليوم من أمر الله الذي قد نزل بالخلق من الغرق والهلاك إلا من رحمنا فأنقذنا منه ، فإنه الذي يمنع من شاء من خلقه ويعصم . ف " من " في موضع رفع ، لأن معنى الكلام : لا عاصم يعصم اليوم من أمر الله إلا الله . وقد اختلف أهل العربية في موضع " من " في هذا الموضع ، فقال بعض نحويي الكوفة : هو في موضع نصب ، لأن المعصوم بخلاف العاصم ، والمرحوم معصوم ؛ قال : كأن نصبه بمنزلة قوله : ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّباعَ الظَّنِّ قال : ومن استجاز " اتباع الظن " والرفع في قوله : وبلدة ليس بها أنيس * إلا اليعافير وإلا العيس لم يجز له الرفع في " من " ، لأن الذي قال : إلا اليعافير ، جعل أنيس البر اليعافير وما أشبهها ، وكذلك قوله : إِلَّا اتِّباعَ الظَّنِّ يقول علمهم ظن . قال : وأنت لا يجوز لك في وجه أن تقول : المعصوم هو عاصم في حال ، ولكن لو جعلت العاصم في تأويل معصوم ، لا معصوم اليوم من أمر الله ، لجاز رفع " من " . قال : ولا ينكر أن يخرج المفعول على فاعل ، ألا ترى قوله : مِنْ ماءٍ دافِقٍ معناه والله أعلم مد فوق ؟ وقوله : فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ معناها : مرضية ؟ قال الشاعر : دع المكارم لا ترحل لبغيتها * واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي ومعناه : المكسو . وقال بعض نحوبي البصرة : لا عاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ على : لكن من رحم ، ويجوز أن يكون على : لا ذا عصمة : أي معصوم ، ويكون " إلا من رحم " رفعا بدلا من العاصم . ولا وجه لهذه الأقوال التي حكيناها عن هؤلاء ، لأن كلام الله تعالى إنما يوجه إلى الأفصح الأشهر من كلام من نزل بلسانه ما وجد إلى ذلك سبيل ، ولم يضطرنا شيء إلى أن نجعل " عاصما " في معنى " معصوم " ، ولا أن نجعل " إلا " بمعنى " لكن " ، إذ كنا نجد لذلك في معناه الذي هو معناه في المشهور من كلام العرب مخرجا صحيحا ، وهو ما قلنا من أن معنى ذلك : قال نوح : لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحمنا فأنجانا ما من عذابه ، كما يقال : لا منجي اليوم من عذاب الله إلا الله ، ولا مطعم اليوم من طعام زيد إلا زيد . فهذا هو الكلام المعروف والمعنى المفهوم . وقوله : وَحالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ يقول : وحال